صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

385

تفسير القرآن الكريم

محصور بتوسّط نور وجود الإمكان الأشرف والجهة المحمديّة والفيض الأقدس الذي هو بذر الموجودات وسببها الذاتي الفاعلي المتقدّم ، وثمرة شجرة الممكنات وسببها الغائي المتأخّر ، فهو الأول والآخر لكونه لبّ الألباب وللوجود خاتمة الكتاب . تمثيل عرشي فانظر أيّها العارف في حكمة الصانع البديع ، وجود النافع المنيع الرفيع كيف بدء بالعقل وختم بالعاقل ، وبينهما أمور متفاضلة متواصلة . فالعقل الأول بذر العقلاء ومبدأ الفضلاء ، وما عداه من العقول المتقدّمة على الأجسام سيقانه ، والنفس الكلية أغصانه ، والأجرام الفلكيّة عروقه وأفنانه والبسائط العنصريّة أوراقه ، والنفوس الأرضيّة أزهاره ، والنفوس الآدميّة نفائس أثماره ، والعقول المستفادة لبوب حبوبه وأنواره ، والروح المحمدي لبّ لبابه ودهنه وضوء سراجه . فاعلم ما ذكر وتحقّق ما تلي عليك وتدبّر ولا تحمله على المجاز الشعري بل على التحقيق السّري ، وأتل قوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [ 32 / 5 ] وامتثل أمره فيما يقول : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [ 3 / 79 ] وإن لم تقدر على ذلك بنفسك ، فاستفده من غيرك - فإن المؤمن مرآة المؤمن . قال بعض العرفاء في مناجاته : « إلهي - ما الحكمة في خلقي ؟ » فألهمه اللّه في الجواب بقوله : « إن الحكمة في خلقك رؤيتي في مرآة روحك ، ومحبّتي في قلبك » . فما أعظم رتبة العبد المؤمن وما أجلّها حيث يصير صفحة قلبه مرآة لوجه الحق . متى أراد أن يتجلّى ذاته لذاته نظر إلى قلب المؤمن .